السياحة الإيطالية تتغير. لم تعد الوجهة مجرد مدينة فنية، أو منتجع ساحلي، أو معلم ثقافي رئيسي: بالنسبة لعدد متزايد من المسافرين، فهي قبل كل شيء تجربة، مبنية على هوية المكان، وجودة الخدمات، والقدرة على الوصول بسهولة ورقمياً إلى ما تقدمه المنطقة. هذا أحد المؤشرات التي ظهرت في البندقية بمناسبةحدث صياغة مستقبل السياحة الإيطالية: البيانات والابتكار والتجارب التي لا تقدر بثمن، بتنظيم من ماستركارد جميع Scuola Grande della Misericordia احتفالاً بمرور عشر سنوات على شراكة مع مهرجان البندقية السينمائي الدولي التابع لبينالي البندقية. قارن الاجتماع بين البيانات والتحول الرقمي والاستراتيجيات الجديدة لتعزيز المناطق المحلية. وتُظهر الصورة الناشئة قطاعاً باتت فيه الخبرة والتكنولوجيا وتوزيع التدفقات عوامل رئيسية في القدرة التنافسية الاقتصادية للبلاد.
يتزايد إنفاق السياح الأجانب
تشير البيانات الصادرة عن مرصد ماستركارد الإقليمي للسياحة للفترة من مايو إلى أغسطس 2026 إلى وجود عنصر دولي يعادل 61% من إجمالي الإنفاق السياحي في إيطاليا، من قبل 9٪ مقارنة بنفس الفترة من عام 2025لا تزال ألمانيا السوق المصدر الرئيسي، تليها سويسرا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة. لكن ما يتغير هو توزيع الفرص: تشهد النمسا وإسبانيا نموًا بنسبة تتجاوز 10%، بينما تُظهر أستراليا وتركيا وجمهورية التشيك زيادات ملحوظة. تؤكد هذه البيانات قدرة إيطاليا على الحفاظ على جاذبيتها الدولية القوية، لكنها تُثير أيضًا تساؤلًا صناعيًا: كيف يُمكن تحويل الطلب السياحي إلى قيمة أكبر للمجتمعات المحلية، ومنع تركز النمو حصريًا في الوجهات السياحية المعروفة؟ وهنا يأتي دور القرى.
القرى كبنية تحتية اقتصادية جديدة للسياحة
في صيف عام 2026، مثلت القرى8% من إجمالي الإنفاق السياحي الوطنيمع نمو المكون الدولي بنسبة 8% مقارنة بعام 2025. إلا أن هذا المتوسط يخفي اختلافات جغرافية كبيرة. ففي أومبريا، تمثل القرى 27% من الإنفاق السياحي الإقليميتليها أبروتسو بنسبة 23%، ثم ليغوريا بنسبة 17%، وماركي بنسبة 15%. تشير هذه الأرقام إلى أن المدن الصغيرة لم تعد مجرد قطاع متخصص في العروض السياحية، بل يمكن أن تصبح محركًا حقيقيًا للتنمية الإقليمية. تكمن قوتها تحديدًا فيما يبحث عنه قطاع متنامٍ من السوق اليوم: الأصالة، والطابع المحلي، والتراث الثقافي، والتقاليد، والحرف اليدوية، والتجارب بعيدًا عن المسارات السياحية المزدحمة. كما يمكن أن يُسهم الترويج للقرى في توزيع التدفقات السياحية، مع آثار تتجاوز السياحة نفسها: زيادة الطلب على الشركات المحلية، ودعم الاقتصادات المحلية، وفرص جديدة للمجتمعات التي قد تواجه خطر فقدان سكانها وخدماتها. وقد أكد فيوريلو بريمي، رئيس جمعية أجمل قرى إيطاليا، على إمكانية تحويل جاذبية هذه المناطق إلى أداة للتجديد الاجتماعي والاقتصادي.
يجب أن تصبح التكنولوجيا غير مرئية
في الوقت نفسه، يتغير دور التكنولوجيا. فالهدف ليس إضافة أدوات رقمية إلى تجربة السياحة، بل إزالة العقبات التي لا تزال تُعيقها. من البحث عن الوجهات باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى الحجز، ومن الوصول إلى المواقع الثقافية إلى المدفوعات، أصبحت التكنولوجيا عنصرًا أقل وضوحًا في السفر. وهذا يُعد تحولًا هامًا من منظور اقتصادي أيضًا: إذ يُمكن لجودة التجربة الرقمية أن تؤثر على قدرة المنطقة على تحويل اهتمام الزوار إلى استهلاك فعلي. في السياحة المعاصرة، أصبحت سهولة الشراء والوصول جزءًا لا يتجزأ من العرض. من هذا المنظور، لا تُمثل الرقمنة منتجًا يُعرض، بل بنية تحتية يجب أن تعمل بسلاسة دون التأثير على تجربة السفر. هذا هو المبدأ الذي يقوم عليه التعاون بين ماستركارد وميداتيكيت، وهي منصة إيطالية لإصدار التذاكر للقطاع الثقافي، والتي أعلنت عن دمج خدمة ماستركارد "انقر للدفع" لجعل المدفوعات عبر الإنترنت أبسط وأكثر أمانًا من خلال التشفير. لا تقتصر القيمة الاقتصادية على المعاملة فحسب، بل تُتيح لنا البيانات الناتجة عن عمليات الشراء فهمًا أفضل لسلوكيات الطلب وأصوله وديناميكياته، مما يُوفر قاعدة معلومات قيّمة لاستراتيجيات إدارة المناطق.
فينيتو كمختبر
وتُعد منطقة فينيتو مثالاً بالغ الأهمية، إذ تتركز فيها نسبة كبيرة من الطلب الدولي. وتمثل هذه المنطقة 15% من إجمالي الإنفاق الوطني على السياحة الدوليةوتأتي في المرتبة الثانية بعد لومباردي. والأهم من ذلك هو تأثير السياحة الخارجية على اقتصاد السياحة الإقليمي: 72 ٪ من النفقات يأتي هذا النمو من الخارج، بنسبة 11% مقارنةً بعام 2025. كما تُظهر منطقة فينيتو أنه لا يوجد نموذج سياحي واحد يناسب الجميع. فالمنطقة عبارة عن فسيفساء من الوجهات: منتجعات ساحلية، وبحيرة البندقية، ومدينة البندقية، ومدن فنية، وجبال، وقرى، جميعها تلبي احتياجات أسواق وسلوكيات سياحية مختلفة. خلال فصل الصيف، تتصدر المنتجعات الساحلية قائمة الإنفاق السياحي الدولي، تليها بحيرة البندقية ثم مدينة البندقية. وتشهد الوجهتان الأوليان حضورًا قويًا للزوار الألمان والنمساويين والهولنديين، بينما يهيمن الأمريكيون على مدينة البندقية. ولذلك، لا يكمن التحدي في زيادة عدد الوافدين فحسب، بل في إدارة الطلب المتزايد التجزئة، وبناء منتجات سياحية تتناسب مع خصائص المناطق المختلفة.
من الوجهة إلى التجربة
ربما يكون هذا التغيير الأهم. يبدو أن السياحة الإيطالية تتجه نحو نموذج تكون فيه الوجهة مجرد نقطة انطلاق. تشير البيانات التي عُرضت خلال الاجتماع إلى أنه بحلول عام ٢٠٢٦، سيُولي ٥٩٪ من الأوروبيين قيمة أكبر للتجارب مقارنةً بالماضي، بينما يُفضّل ٦٠٪ منهم التجارب الواقعية استجابةً لزيادة الوقت الذي يقضونه على الإنترنت. بالنسبة لإيطاليا، يُمثّل هذا ميزة تنافسية هامة. قلّما تجد دولًا تتمتّع بمثل هذا التنوّع الواسع من التراث الثقافي، والمناظر الطبيعية، والمأكولات والمشروبات، والحرف اليدوية، والتقاليد، والمدن التاريخية الصغيرة. لكن التراث وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون متاحًا، وقابلًا للسرد، وقابلًا للتحويل إلى تجربة. ومن الأمثلة على ذلك قرية تشيزون دي فالمارينو في منطقة تريفيزو، حيث أثمر التعاون بين ماستركارد ومبادرة "أجمل قرى إيطاليا" عن تجربة تفاعلية مميزة تُعنى بالحرف اليدوية: ورشة عمل لصناعة المجوهرات، تُقام في منزل تاريخي غير مفتوح عادةً للعامة، تليها جلسة تذوق لأنواع النبيذ المحلي و"تشيتشيتي" البندقية. إنه نموذج يجمع بين التراث والاقتصاد المحلي والثقافة والتكنولوجيا الرقمية.
سوق تصبح فيه البيانات بنية تحتية
يشير النقاش الدائر في البندقية إلى اتجاه سياحة يعتمد بشكل متزايد على دمج الهوية المحلية والبنية التحتية الرقمية. فمن جهة، نجد القرى والتقاليد والتراث الثقافي والاقتصادات المحلية. ومن جهة أخرى، نجد البيانات والذكاء الاصطناعي ومنصات الحجز وأنظمة الدفع والأدوات القادرة على تبسيط التفاعل بين الزوار والمنطقة. وستعتمد اللعبة الاقتصادية في السنوات القادمة على القدرة على ربط هذين العالمين دون تشويه الأول ودون جعل الثاني متطفلاً. وفي هذا السياق، يكتسب حجم صناعة بيع التذاكر الثقافية أهمية خاصة. وتدّعي شركة MidaTicket أنها أصدرت أكثر من 30,5 مليون تذكرة في عام 2025مع ما يقرب من 200 عميل وقيمة إجمالية للتذاكر الصادرة تقارب 305 مليونبلغ حجم مبيعات الشركة في نفس العام 7,3 مليونلذا، لم يعد قطاع السياحة مجرد مسألة وصول وتواجد، بل أصبح سلسلة توريد تُسهم فيها البيانات والمدفوعات والثقافة والتنقل والخدمات والشركات المحلية في خلق القيمة. ويُمكن أن يُحدد التقاء الأصالة والابتكار المرحلة التالية من القدرة التنافسية للسياحة الإيطالية.
في الصورة، لوكا كورتي، سيرجيو بيليني، فيوريلو بريمي، سافيريو موتشي: اعتمادات ElettraPR
