إن تحليل العلاقة بين الحرب والتراث الفني لا يعني النظر إلى الماضي فحسب، بل يعني أيضًا التساؤل حول مستقبل الفن في عالم مليء بالتوترات والحروب المعقدة بشكل متزايد.
على مر التاريخ، كانت الأعمال الفنية تُعامل في كثير من الأحيان على أنها غنائم حرب. حتى في روما القديمة، كانت التماثيل والقطع الأثرية تُجلب إليها من الأراضي المحتلة احتفالًا بسيادة الإمبراطورية. في العصر الحديث، أظهرت نهب نابليون، ولاحقًا، غارات النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، كيف أن الاستيلاء على التراث الثقافي لم يُسهم فقط في ترسيخ السلطة السياسية، بل أيضًا في إضفاء الشرعية الرمزية على تفوق المنتصرين.
وفي الصراعات المعاصرة، تصبح الظاهرة أكثر دراماتيكية.
من تماثيل بوذا في باميان وآثار تدمر، وصولاً إلى حماس في فلسطين (حيث تضرر 110 مواقع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفقًا لمشروع رصد لليونسكو: 13 موقعًا دينيًا، و77 مبنىً ذا أهمية تاريخية وفنية، و3 مستودعات للتراث الثقافي المنقول، و9 آثار، ومتحف واحد، و7 مواقع أثرية)، إلى أمثلة رمزية، حيث أصبح الفن هدفًا أيديولوجيًا وأداةً لمحو الذاكرة الجماعية. إلى جانب هذا الدمار، تُغذي ساحات الحرب سوقًا دولية غير مشروعة: فالقطع الأثرية المسروقة من المناطق المضطربة تنتهي في مجموعات خاصة أو تُتداول عبر قنوات سرية، غالبًا بتواطؤ من وسطاء ومشترين في الدول الغربية.
الآفاق والتحديات المستقبلية
لقد طبّق المجتمع الدولي عدة صكوك لحماية التراث الثقافي المهدّد بالنزاعات، إلا أن فعاليتها لا تزال محدودة. تُمثّل اتفاقية لاهاي لعام ١٩٥٤ وبروتوكولاتها اللاحقة أول إطار قانوني شامل يهدف إلى حماية الأعمال الفنية في زمن الحرب، بينما تسعى مبادرات مثل مبادرة "الخوذ الزرقاء الثقافية" التابعة لليونسكو إلى توفير تدخلات ملموسة على أرض الواقع. مع ذلك، لا يزال التطبيق العملي لهذه المعايير ضعيفًا، بسبب تضارب المصالح السياسية، ومحدودية الموارد، وصعوبة رصد المواقع في مناطق الحرب.
من يحمي التراث الفني في أوقات الحرب: المنظمات والحكومات والمنظمات غير الحكومية
تشمل حماية التراث الفني في سياقات الحرب مؤسساتٍ مختلفةً على المستويات الدولية والوطنية والمحلية. ومن بين المنظمات الدولية، اليونسكو تنسيق مبادرات الحماية، وتعزيز الاتفاقيات مثل اتفاقيتي لاهاي لعامي 1954 و1970 لمكافحة الاتجار غير المشروع، وإدارة برامج الرصد والتدريب؛ اللجنة الدولية للصليب الأحمر يتدخل على المستوى القانوني والعملي، ويضمن الامتثال للقوانين الإنسانية التي تشمل حماية التراث الثقافي؛ في حين مجلس أوروبا والأمم المتحدة دعم الاتفاقيات المتعددة الأطراف والبروتوكولات المحددة.
على المستوى الوطني، لدى العديد من الدول قوانين داخلية لمنع تدمير الأعمال الفنية والاتجار غير المشروع بها، وتتعاون سلطات الجمارك مع الإنتربول لاستعادة السلع المسروقة. بالإضافة إلى ذلك، هناك قوات متخصصة مثل "الخوذ الزرقاء للثقافة" التابعة لليونسكوفرق من الخبراء تُرسل إلى مناطق النزاع لحماية المواقع والمجموعات الأثرية، ووحدات عسكرية مُخصصة لحماية التراث، تعمل غالبًا بالتعاون مع السلطات المحلية. وأخيرًا، حتى تلعب المنظمات غير الحكومية دورًا رئيسيًا: المنظمات غير الحكومية مثل Blue Shield International e جمعيات علماء الآثار ومؤرخي الفن يُطوّرون بروتوكولات حماية، وبرامج تدريب، وأنظمة رصد، وأنشطة إبلاغ لمكافحة الاتجار غير المشروع، مما يُسهم في تعزيز الشبكة العالمية لحماية التراث الثقافي. في إيطاليا، تُعهد حماية التراث الثقافي إلى حد كبير بـ قوات الدرك الإيطالية لحماية التراث الثقافي (TPC)، وهو قسم خاص من قوات الكارابينييري تم إنشاؤه في عام 1969.
اليوم، يمكن للتقنيات الرقمية أن توفر فرصًا جديدة للحماية والحفظ
تجدر الإشارة إلى أهمية الفهرسة الإلكترونية وقواعد البيانات الدولية التي تتيح تتبع الأعمال الفنية والإبلاغ عن السرقات (مثل سجل فقدان الأعمال الفنية). يتيح المسح ثلاثي الأبعاد وأنظمة التتبع القائمة على تقنية بلوكتشين مراقبة حالة الأعمال الفنية، وتسجيل مصدرها، وإنشاء أرشيفات افتراضية قادرة على تعويض الخسائر المادية، ولو جزئيًا. هذه الأدوات، على الرغم من ابتكارها، لا تُغني عن الحماية المادية ولا تُعيد بناء ما دُمّرَ أو سُرق، لكنها تُكمّل سياسات الأمن والاستراتيجيات الوقائية في هذا المجال.
الفن والصراع: تحدي الحماية السياسية والأخلاقية
بالنظر إلى المستقبل، يتضح جليًا أن حماية الفن تتطلب تحولًا مزدوجًا، سياسيًا وأخلاقيًا. سياسيًا، يجب علينا تعزيز التعاون الدولي بصكوك ملزمة، بما في ذلك فرض عقوبات فعّالة على من يدمرون الأعمال الفنية أو يتاجرون بها بشكل غير قانوني، واتفاقيات حماية أكثر فعالية بين الدول والمنظمات متعددة الأطراف. أخلاقيًا، يجب علينا تعزيز وعي جماعي عالمي يُقرّ بالتراث الثقافي كثروة عالمية، فوق المصالح الوطنية أو الاقتصادية أو العسكرية. فقط من خلال هذا المزيج من الالتزامات الملموسة والوعي الثقافي، يُمكن الحد من خطر التدمير والنهب، وتحويل الفن من هدف للحرب إلى رمز للذاكرة والهوية والتماسك الاجتماعي.
