كل عصر يُنتج أشكاله الفنية الخاصة لأن كل عصر يُطور علاقة مختلفة مع الواقع. فإذا كان القرن العشرون هو قرن الصناعة الثقافية، والتكرار التكنولوجي، والتواصل الجماهيري، فإن القرن الحادي والعشرين يواجه وضعاً مختلفاً: تعقيد وسائل الإعلام. نحن نعيش منغمسين في نظام بيئي تتداخل فيه الصور والمعلومات واللغات والمنصات باستمرار، مما يخلق واقعاً متعدد الطبقات ومتطوراً باستمرار. في ثلاثينيات القرن العشرين، لاحظ والتر بنيامين كيف غيّر الاستنساخ التكنولوجي العلاقة بين العمل الفني والجمهور. واليوم، تبدو هذه الملاحظة أكثر أهمية من أي وقت مضى: فنحن لا نشهد مجرد استنساخ الصور، بل انتشارها المتواصل ضمن الشبكات الرقمية العالمية. لم يعد العمل الفني مجرد شيء منعزل، بل أصبح جزءًا من تدفق مستمر للمحتوى يُعيد تعريف معناه. في هذا السياق، لا يمكن للفن أن يُمثل العالم فحسب، بل يجب أن يتفاعل مع كيفية بناء العالم وتصفيته وإدراكه عبر وسائل الإعلام. ينسجم هذا المنظور مع رؤية مارشال ماكلوهان القائلة بأن الوسيلة ليست مجرد قناة محايدة، بل قوة قادرة على تغيير الإدراك والتنظيم الاجتماعي. لا يكتفي الفنان المعاصر بملاحظة الواقع، بل يراقب الأدوات التي تُشكّله.
لا يتطابق تعقيد الوسائط مع مجرد وفرة الصور
يصف هذا الوضع حالةً تُجتاز فيها كل تجربة مستوياتٍ متعددة من التأويل. فالحدث موجود، ومسجل، ومتداول، ومُعلّق عليه، ومُعاد تأويله، ومُؤرشف، في آنٍ واحد تقريبًا. ويتلاشى التمييز بين التجربة المباشرة والتمثيل تدريجيًا. وكما توقع فيليم فلوسر، فإن الصور التقنية لا تُمثل العالم فحسب، بل تُساهم في تشكيل فهمنا له. وقد حلل جان بودريار هذا التحول تحليلًا جذريًا، إذ يرى أن المجتمعات المعاصرة تُخاطر باستبدال الواقع بتعددية من المحاكاة. فنحن لا نعيش بين الصور فحسب، بل ضمن أنظمة تمثيل غالبًا ما تسبق التجربة نفسها. وهكذا، يجد الفن نفسه يُشكك ليس فقط في ماهية الواقع، بل أيضًا في الطرق التي يُنتج بها الواقع ويُعترف به.
كما يساهم دور وسائل التواصل الاجتماعي في هذا التحول
لم تعد مجرد وسيلة لنشر الأعمال الفنية، بل أصبحت الخلفية الدائمة التي يُنتج فيها الفن ويُشاهد ويُقيّم. أصبح الفضاء الرقمي مسرحًا عالميًا حيث قد تطغى الشهرة أحيانًا على المحتوى، والتداول على التحليل المتعمق. لا يتنافس هذا العمل مع أعمال أخرى فحسب، بل مع تدفق مستمر من الصور التي تستحوذ على الاهتمام الجماعي.في هذا السياق، تظل تأملات غي ديبور حول مجتمع الاستعراض ذات صلة. فقد وصف ديبور واقعًا تتوسط فيه الصور بشكل متزايد العلاقات الاجتماعية. واليوم، يبدو أن هذه العملية قد تضخمت بفعل المنصات الرقمية، حيث تُعدّ الرؤية في كثير من الأحيان شكلًا من أشكال القيمة، ويميل التمثيل إلى التداخل مع التجربة.
في مواجهة هذا الوضع، يتخذ الفن دوراً خاصاً
لا يهدف الفن إلى تقديم إجابات قاطعة، بل إلى إبراز التعقيد الذي غالبًا ما يبقى خفيًا. بإمكان الفن أن يُبطئ النظرة، ويُقاطع الطبيعة التلقائية للاستمتاع، ويخلق مساحة للتأمل في بيئة تُهيمن عليها سرعة التواصل. وبهذا المعنى، يستند الفن إلى تأملات بيونغ تشول هان، الذي يُحدد الإفراط في التواصل كإحدى السمات الأساسية لعصرنا. وهكذا، يجد الفنانون المعاصرون أنفسهم في وضع جديد. فمن جهة، يستخدمون الأدوات التكنولوجية نفسها التي تُغذي التواصل العالمي؛ ومن جهة أخرى، يُطلب منهم التساؤل النقدي حول هذه الأدوات نفسها. وهكذا، يُصبح العمل الفني ساحةً للتفاوض بين المشاركة والمسافة، بين الانغماس والوعي، بين الوضوح والمعنى. ويتفاعل هذا المنظور أيضًا مع فكر جاك رانسيير، الذي يرى أن الفن لا ينفصل عن أنظمة الوضوح التي تُحدد ما يُمكن رؤيته، وقوله، والتفكير فيه في مجتمع مُعين. لا يقتصر العمل الفني المعاصر على إنتاج الصور فحسب، بل يُعيد تعريف الشروط التي تُصبح من خلالها بعض الحقائق قابلة للإدراك، بينما تبقى أخرى مُستبعدة من النظرة الجماعية.
لا يمكن للفن في عصر تعقيد وسائل الإعلام أن يتظاهر بالإفلات من تأثيرها.
مع ذلك، يمكن للفن أن يُسهم في جعلها مفهومة. ففي مجتمعٍ تغمره كمياتٌ متزايدةٌ من الصور والمعلومات، لا تكمن قيمة الفن في إنتاج محتوى جديد فحسب، بل في قدرته على توليد أشكالٍ جديدةٍ من الانتباه، وطرائق جديدةٍ للرؤية، وإمكانياتٍ جديدةٍ للتفسير. ولعلّ مهمة الفن المعاصر ليست شرح العالم، بل تهيئة الظروف لملاحظته بوضوحٍ أكبر. ففي عصرٍ يميل فيه كل شيءٍ إلى أن يُنقل ويُشارك ويُستهلك فورًا، تحتفظ الأعمال الفنية بقدرتها على فتح مساحةٍ للتأمل، وفترةٍ حرجةٍ لا يزال بإمكان المعنى أن يتبلور فيها. لا يُلغي الفن تعقيد الحاضر، بل يجعله مرئيًا. وفي هذه القدرة تحديدًا على إضفاء شكلٍ على حالة عدم اليقين، دون اختزالها إلى تبسيطٍ مُخلّ، تكمن إحدى أعمق وظائفه: مساعدة المجتمع على فهم نفسه في ظلّ تغيّره.
