شارك

إعلان FIRSTonline

سرقة جوهرة الأميرة فيكس: 2.500 عام من التاريخ تُسلب من العالم

تعرض متحف منطقة شاتيون - كنز فيكس، الحافظ لأحد أهم المواقع الأثرية في أوروبا، لسرقة هزت عالم الثقافة بشدة في 24 يوليو 2026

سرقة جوهرة الأميرة فيكس: 2.500 عام من التاريخ تُسلب من العالم

كانت تلك المسروقة هي الشهيرة عزم الدوران, الطوق الذهبي لأميرة فيكس، جوهرة سلتية استثنائية من القرن السادس قبل الميلاد، مصنوعة من قطعة واحدة تقريبًا 480 غرام من الذهب، رمز مطلق لكنز فيكس الشهير.

وقع الهجوم في وضح النهار

بحسب التقارير الأولية، دخل الجناة المتحف متنكرين في زي زوار عاديين، ووصلوا إلى خزانة العرض التي تحتوي على القطعة الأثرية، ثم خرجوا مسرعين من المبنى أمام أنظار السياح الآخرين، دون اللجوء إلى عمليات اقتحام مُلفتة. وقد أبرز هذا الأسلوب كيف يمكن حتى لأكثر أنظمة الأمن تطوراً أن تكون عرضة للاختراق عندما يستغل النشاط الإجرامي التدفق الطبيعي للزوار. وتكتسب السرقة دلالة رمزية أكبر لأنها تأتي بعد أسبوع واحد فقط من محاولة اقتحام ليلية فاشلة، وبعد ثمانية أشهر من هجوم سابق على المتحف نفسه. وعلى مدار العامين الماضيين، استُثمر ما يقارب 150.000 ألف يورو في تعزيز الأمن بكاميرات جديدة وأبواب مُحصّنة وأنظمة مراقبة، إلا أن الإجراءات المتخذة لم تمنع هجوماً مُخططاً له من قِبل محترفين.

كان الطوق ملكاً لما يسمى بأميرة فيكس، وهي أرستقراطية قوية عاشت منذ أكثر من 2.500 عام.

قبل أن يصبح أحد رموز علم الآثار الأوروبي، tكان موت أميرة فيكس دليلاً ملموساً على قوة امرأة عاشت في النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد، في وقت كانت فيه أوروبا السلتية تشهد تبادلات تجارية وثقافية وسياسية مكثفة مع البحر الأبيض المتوسط. لم تُكشف قصتها إلا في يناير 1953، عندما اكتشف علماء الآثار رينيه جوفروي وموريس مويسون ورينيه لاغورجيت قبراً ضخماً عند سفح جبل لاسوا، بالقرب من قرية فيكس الصغيرة في بورغونيا. داخل تل دفن، رُقدت رفات امرأة في الثلاثينيات من عمرها، مصحوبة بمقتنيات جنائزية استثنائية غيّرت فهمنا للحضارة السلتية خلال عصر هالشتات. حتى ذلك الحين، كان يُعتقد أن السلطة السياسية والدينية في المجتمعات السلتية حكرٌ على الرجال تقريباً. إلا أن الدفن في فيكس كشف عن حقيقة مختلفة. يشير ثراء محتويات المقبرة، وجودة القطع الأثرية، وتميز الواردات المتوسطية، إلى أن هذه المرأة تنتمي إلى الطبقات العليا من المجتمع، وربما كانت أميرة أو حاكمة أو شخصية ذات سلطة سياسية ودينية رفيعة. ومنذ ذلك الحين، عُرفت ببساطة باسم أميرة فيكس، على الرغم من أن اسمها الحقيقي لا يزال مجهولاً. ومن بين جميع القطع الأثرية التي دُفنت بجانبها، كانت أثمنها هي تلك الرائعة. إلىذهب خالص, يُعدّ هذا الطوق رمزًا جوهريًا للسلطة في الثقافات السلتية. يزن قرابة نصف كيلوغرام، ومصنوع بحرفية ذهبية رائعة، ويتميز بنهايات مزينة بزخارف مستوحاة من عالم البحر الأبيض المتوسط، ما يُجسّد الحوار الفني بين الشعوب السلتية والحرفيين اليونانيين والإتروسكان. لم يكن مجرد جوهرة، بل كان رمزًا للسيادة: فارتداؤه كان يُشير إلى مكانة المرء وسمعته. وإلى جانب هذا الطوق، تم اكتشاف تحفة فنية أخرى ستُصبح مشهورة عالميًا: إناء فيكس، وهو إناء برونزي ضخم يبلغ ارتفاعه حوالي 1.6 متر، ويتسع لأكثر من ألف لتر من النبيذ. وهو أكبر إناء برونزي باقٍ من العصور القديمة. يُرجّح أنه صُنع في ورش ماجنا غراسيا، وكان يُستخدم في المآدب الأرستقراطية، ويُمثّل أحد أروع الأمثلة على انتشار ثقافة البحر الأبيض المتوسط ​​في قلب أوروبا السلتية. تضمنت المقتنيات الجنائزية أيضاً كأساً فضياً ثميناً، وأواني برونزية، وعربات احتفالية، ودبابيس، وحلي، والعديد من القطع الأثرية من مناطق جغرافية بعيدة. أظهرت هذه المجموعة أن منطقة فيكس كانت تحتل موقعاً استراتيجياً على طول طرق التجارة الرئيسية التي تربط البحر الأبيض المتوسط ​​بشمال أوروبا عبر نهري الرون والسين. لم تكن فيكس منطقة هامشية في العالم القديم، بل كانت إحدى أهم مفترقات طرقه.

على مدى أكثر من سبعين عامًا، تم الحفاظ على عزم الدوران دائمًا عند Musée du Pays Châtillonnais، Trésor de Vixأصبحت هذه القطعة رمزًا ليس فقط لمنطقة بورغوندي، بل لعلم الآثار الأوروبي برمته. لا تكمن أهميتها في قيمة ذهبها، بل في التاريخ الذي تجسده: فهي تشهد على أوروبا مترابطة بعمق، حيث انتقلت البضائع والأفكار والتقنيات الفنية والثقافات قبل نشأة الدول الحديثة بزمن طويل. لذا، فإن سرقتها مؤخرًا تمثل خسارة تتجاوز مقتنيات المتاحف. فعندما تُسرق قطعة أثرية من هذا النوع، لا يختفي مجرد شيء ثمين، بل ينقطع الحوار مع حضارة استمرت، من خلال هذه القطعة، في مخاطبة البشرية لأكثر من ألفين وخمسمائة عام. لم يكن طوق أميرة فيكس مجرد تحفة فنية من روائع الصياغة الذهبية القديمة، بل كان أيضًا من أروع الشواهد على قدرة أوروبا على بناء هويتها، منذ نشأتها، عبر التفاعل مع ثقافات متنوعة.

يخشى علماء الآثار، قبل كل شيء، أن تُصهر الجوهرة، مما يمحو إلى الأبد ليس فقط عملاً فنياً، بل مصدراً معرفياً لا يُعوَّض. في أعقاب السرقة، أعلنت وزارة الثقافة الفرنسية عن خطة وطنية جديدة لتعزيز أمن المتاحف، إدراكاً منها أن حماية التراث الثقافي اليوم تتطلب استراتيجيات قادرة على مواجهة أشكال الجريمة المتطورة باستمرار.

تعليق